تركستان الشرقية — الأويغور تحت المحو
تسمّيها الصين «شينجيانغ» أي «الحدّ الجديد» — اسمٌ أطلقته سلالة تشينغ سنة ١٨٨٤ بعد غزوها، ويقول في ذاته إن الأرض ملحقة لا أصل. وأهلها يسمّونها تركستان الشرقية: بلادٌ دخلها الإسلام قبل أكثر من ألف سنة، وكانت كاشغر فيها منارة علمٍ ولغةٍ وفقه.
منذ سنة ٢٠١٧ يتعرض الأويغور وسائر مسلمي تركستان الشرقية لاحتجاز جماعي ومحو ديني وثقافي ممنهج. والأرقام أدناه مراجَعة حتى آب/أغسطس ٢٠٢٦.
المحو بالأرقام
- ١٬٠٠٠٬٠٠٠ محتجَز على الأقل منذ ٢٠١٧
- ١٦٬٠٠٠ مسجدٍ هُدم أو طُمست معالمه
تُقدَّر أعداد من مرّوا بالمعسكرات بمليون إلى مليون وثمانمئة ألف إنسان — أوسع احتجاز جماعي لأقلية دينية منذ الحرب العالمية الثانية — ولا يزال مئات الآلاف رهن الاحتجاز أو ينفّذون أحكامًا طويلة في السجون بعد أن حُوّلت المعسكرات إلى قضايا «قانونية». أما المساجد فقدّر المعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية بالأقمار الصناعية أن نحو ٦٥٪ من مساجد الإقليم دُمّرت أو أُزيلت قبابها ومآذنها، وأن قرابة ثلث المقامات الإسلامية المهمة هُدمت.
كيف يُمحى شعب؟
- ٩٠٠٬٠٠٠ طفلًا — انتُزعوا من ذويهم إلى مدارس داخلية حكومية، لا يُدرَّس فيها إلا بلغة الدولة
- ٤٨٫٧ ٪ انهيار المواليد — انخفاض معدل المواليد في الإقليم بين ٢٠١٧ و٢٠١٩ — لا نظير له في ٧١ سنة من بيانات الأمم المتحدة
- ٨٠ ٪ من النساء — في سنّ الإنجاب بأربع محافظات جنوبية، خطّطت الدولة لإخضاعهنّ لإجراءات منع حمل قسرية
- ١٢ مليون أويغوري — يعيشون تحت واحدة من أكثف منظومات المراقبة الرقمية التي عرفها البشر
الإبادة لا تكون بالقتل وحده: اتفاقية ١٩٤٨ تعدّ «فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة» و«نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى» فعلين من أفعال الإبادة الجماعية. وهذا بالضبط ما وثّقته التقارير في تركستان الشرقية.
ماذا قالت التحقيقات الدولية؟
- المعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية (٢٠٢٠): في تقريره «المحو الثقافي» حلّل صور الأقمار الصناعية لمساجد الإقليم فوجد أن نحو ١٦ ألف مسجد — قرابة ٦٥٪ — دُمّرت أو أُتلفت معالمها، ومعظم ذلك بعد ٢٠١٧، فضلًا عن هدم ثلث المقامات والمزارات الإسلامية المهمة. نص التقرير
- المعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية (٢٠٢١): في تقريره «تخطيط الأسرة القسري» وثّق حملات «الضرب بيدٍ من حديد» على «الولادات غير القانونية»، وخططًا لإخضاع ٨٠٪ من النساء في سن الإنجاب بأربع محافظات جنوبية للولب أو التعقيم — فانهار معدل المواليد انهيارًا لا نظير له في سجلات الأمم المتحدة. نص التقرير
- محكمة الأويغور المستقلة — لندن (٩ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢١): بعد سماع عشرات الشهود والخبراء برئاسة السير جيفري نايس — المدعي السابق في محاكمة ميلوشيفيتش — حكمت بأن الصين ارتكبت إبادة جماعية بحق الأويغور عبر سياسة ممنهجة لمنع الولادات، وجرائم ضد الإنسانية، وأن التعذيب ثابت بما لا يدع مجالًا للشك المعقول. خلاصة الحكم
- مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (٣١ آب/أغسطس ٢٠٢٢): خلص تقييمها الرسمي إلى أن اتساع الاحتجاز التعسفي والتمييزي بحق الأويغور وسائر الجماعات المسلمة، في سياق حرمانٍ عام من الحقوق الأساسية، «قد يرقى إلى جرائم دولية، ولا سيما الجرائم ضد الإنسانية». بيان المفوضية
- منظمة العفو الدولية (آب/أغسطس ٢٠٢٥): بعد ثلاث سنوات من تقرير الأمم المتحدة سجّلت أن شيئًا لم يتغير: لا محاسبة، ولا تحقيق دولي، ولا إفراج — وعائلاتٌ في المنفى لم تسمع صوت أبنائها منذ سنين ولا تعرف أحياءٌ هم أم أموات. بيان المنظمة
- برلمانات وحكومات غربية (٢٠٢١ فما بعدها): وصفت الولايات المتحدة وبرلمانات كندا وهولندا وبريطانيا وليتوانيا وبلجيكا وفرنسا وتشيكيا ما يجري بأنه إبادة جماعية أو جرائم ضد الإنسانية، وسنّت قوانين تمنع استيراد منتجات السخرة — بينما بقيت أكثر الدول الإسلامية صامتة. خلفية موثقة
ما وراء الأرقام
- محو الإسلام نفسه: تُنزع القباب والمآذن وتُحوّل المساجد إلى مقاهٍ ومخازن، ويُصادر المصحف وسجادة الصلاة، ويُمنع الأطفال ودون الثامنة عشرة من دخول المسجد، ويُضيَّق على صيام رمضان بالمراقبة والوجبات الإجبارية، وتُحظر الأسماء الإسلامية واللحية والحجاب — كل ذلك تحت شعار «أسلمةٍ صينية» تجعل الدين تابعًا للحزب.
- إقليمٌ بحجم سجن: كاميرات تعرف الوجوه عند كل تقاطع، ورموز على أبواب البيوت تصنّف أهلها، وتطبيق يفتّش الهواتف بحثًا عن آية أو درس، ونظامٌ يرشّح الناس للاعتقال بالخوارزمية. وموظفون من الدولة يسكنون في البيوت أسابيع تحت اسم «صيروا أسرة» يراقبون الصلاة والكلام على المائدة.
- أجيالٌ تُنتزع من أهلها: حين يُحتجز الأب والأم يُساق الطفل إلى مدرسة داخلية حتى لو تقدّم أهله لكفالته. هناك يُدرَّس بلغة الدولة وحدها، ويُمنع من لسان أمه ودينها، فيعود — إن عاد — لا يعرف كيف يخاطب جدّته. هذا هو المحو حين يُخطَّط لجيلين لا لجيل.
- سخرةٌ موصولة بأسواقنا: تُنقل أفواج من العمال قسرًا من قراهم إلى مصانع داخل الإقليم وخارجه، والإقليم ينتج خُمس قطن العالم تقريبًا. أي أن القميص الذي نلبسه قد يكون قد مرّ بيد مقهورٍ لا يملك أن يقول لا — ولذلك صارت المقاطعة الواعية بابًا عمليًا لا شعارًا.
- قضيةٌ تُهمَّش عمدًا: حين ناقشت الأمم المتحدة الملف سنة ٢٠١٩ وقّعت عشرات الدول — وفيها دولٌ إسلامية كبرى — رسالة تُثني على سياسات الصين في الإقليم. ولا تزال بلدان إسلامية ترحّل الأويغور اللاجئين إليها بطلب من بكين، وآخرهم أربعون رُحّلوا من تايلاند سنة ٢٠٢٥ إلى مصير مجهول. تُشترى الصفقات بصمتٍ عن دم المسلمين — وهذا وحده جرحٌ ثانٍ.
من كاشغر إلى المعسكرات
ليست تركستان الشرقية طرفًا نائيًا من العالم الإسلامي، بل من متونه: دخلها الإسلام في القرن الرابع الهجري، وصارت كاشغر وختن وتُرفان مراكز علمٍ وترجمة وفقه، ومنها خرج محمود الكاشغري صاحب «ديوان لغات الترك». وما يجري اليوم آخر حلقات طريقٍ طويل من الغزو ثم الضم ثم المحو.
- القرن الرابع الهجري — الإسلام يدخل بلاد الترك: أسلم ملوك القراخانيين وعلى رأسهم ستُق بُغرا خان، فانتشر الإسلام في كاشغر وما حولها وصار دين البلاد. وفي القرن الخامس الهجري ألّف محمود الكاشغري «ديوان لغات الترك»، وكتب يوسف خاصّ حاجب «قوتادغو بيليغ» — من أوائل ما كُتب من أدب الترك المسلمين.
- ١٧٥٩ — الغزو المانشوري: اجتاحت سلالة تشينغ البلاد وأخضعتها بعد مقاومة طويلة، فبدأ عهد الحكم الأجنبي المتصل. وتوالت الثورات على مدى قرن ونصف، وكان ردّها في كل مرة بالسيف والتهجير.
- ١٨٨٤ — الاسم الذي يُنكر أهله: أعلنت تشينغ البلادَ إقليمًا وسمّته «شينجيانغ»: الحدّ الجديد أو الأرض الجديدة. اسمٌ يقول إن البلاد ملحقةٌ حديثة لا وطنٌ لأهله — وأول خطوات المحو أن يُغيَّر اسم الأرض.
- ١٩٣٣ و١٩٤٤ — جمهوريتا تركستان الشرقية: أقام الأويغور دولتين قصيرتي العمر باسم تركستان الشرقية، فسُحقت الأولى وانتهت الثانية بالضم. ثم لقي معظم قادة الجمهورية الثانية حتفهم في حادث طائرة غامض وهم في طريقهم إلى بكين سنة ١٩٤٩.
- ١٩٤٩–١٩٥٤ — الضمّ وتغيير التركيبة: ضمّت الصين الشيوعية البلاد، ثم أنشأت «فيلق البناء والإنتاج» — جسمًا استيطانيًا شبه عسكري يستقدم المستوطنين ويقيم المزارع والمدن. فارتفعت نسبة الوافدين من نحو ٦٪ من السكان سنة ١٩٤٩ إلى قرابة ٤٢٪ — تغييرٌ ديموغرافي بالتخطيط لا بالصدفة.
- ٢٠٠٩ — أورومتشي ونهاية التسامح: بعد أحداث دامية في العاصمة قُطع الإنترنت عن الإقليم كله نحو عشرة أشهر، وبدأ عهدٌ من القبضة الأمنية المفتوحة. ومنذها صار كل تديّن مشبوهًا وكل مطالبة ثقافية «انفصالًا».
- ٢٠١٤ — «الحرب الشعبية على الإرهاب»: أُعلنت حملة أمنية شاملة تحت شعار مكافحة الإرهاب، فطالت المتدينين والمثقفين والمعتدلين قبل غيرهم. وحُكم على الأكاديمي إلهام توهتي — وكان أشهر الداعين إلى الحوار — بالسجن المؤبد.
- ٢٠١٧ — المعسكرات: بُنيت شبكة معسكرات ضخمة سُمّيت «مراكز التعليم والتدريب المهني»، وسيق إليها الناس بلا تهمة ولا محاكمة: لأن أحدهم صلّى، أو سافر إلى بلد مسلم، أو حفظ آية على هاتفه، أو له قريب في الخارج. وصودرت جوازات السفر فصار الخروج ممنوعًا.
- ٢٠١٩–٢٠٢٢ — الوثائق المسرَّبة: تسربت من داخل الجهاز نفسه وثائق تكشف كيف تُدار المعسكرات وكيف تُختار الضحايا: تعليمات بمنع الهروب مهما كان الثمن، وقوائم بأسماء المعتقلين وأسباب اعتقالهم، وعشرات الآلاف من صور المحتجزين — من طفلة في الخامسة عشرة إلى امرأة في الثمانين.
- اليوم — من المعسكرات إلى السجون: أُغلق كثير من المعسكرات أمام الكاميرات، وحُوّل نزلاؤها إلى أحكامٍ قضائية طويلة تمنح القمع ثوبًا قانونيًا. والإقليم الذي لا يتجاوز سكانه بضعة بالمئة من سكان الصين صار يحتضن نسبة هائلة من أحكامها الجنائية — والعالم يواصل التجارة ولا يسأل.
يُقال لنا إن القضية «معقدة» وإن مصالح الدول تقتضي الصمت. وقد قال الله ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾. فإن عجزنا عن نصرتهم بأيدينا، فلا نعجز عن ألسنتنا وأموالنا ومقاطعتنا ودعائنا — وأضعف الإيمان أن لا نكون ممن أعان على تهميشهم بالنسيان.
أبواب النصرة
- الدعاء للمستضعفين: ادعُ لإخوانك في تركستان الشرقية باسمهم في قنوتك وسجودك: أن يفكّ الله أسرهم، ويثبّت قلوبهم على دينهم، ويردّ الأبناء إلى أمهاتهم. فهم ممن قال الله فيهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾.
- قل: تركستان الشرقية: اللغة أول ميادين المعركة. سمِّ البلاد باسمها الذي يعرفه أهلها، وسمِّ ما يجري بأسمائه: احتجاز جماعي، وتعقيم قسري، وسخرة، ومحو ديني — لا «إعادة تأهيل» ولا «تدريب مهني». من قبل بمصطلح الجلاد فقد خسر نصف القضية.
- نشر الحقيقة: انشر التقارير من مصادرها: تقييم الأمم المتحدة، وحكم محكمة الأويغور، وصور الأقمار الصناعية للمساجد المهدومة. واحكِ قصة إنسان واحد بعينه — فالرقم يُنسى والحكاية تبقى، والتعتيم لا يُهزم إلا بالتكرار.
- المقاطعة الواعية: الإقليم ينتج نحو خُمس قطن العالم بأيدي سخرة، وكثير من العلامات التجارية موصولة بسلاسله. اسأل عن مصدر ما تشتري، وقاطع ما ثبت تورطه، وادعم القوانين التي تمنع استيراد منتجات السخرة — فالضغط الاقتصادي لغةٌ تفهمها الدول.
- منع الترحيل القسري: كل أويغوري يُرحَّل من بلد مسلم إلى الصين يُسلَّم إلى مصير مجهول. طالب حكومتك بالتزام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وانصر اللاجئين المهددين بالترحيل في المحاكم والإعلام — فإن حماية نفسٍ واحدة عملٌ لا يُستهان به.
- الضغط على حكومتك ومنظماتها: راسل من يمثّلك، وطالب منظمة التعاون الإسلامي بموقف يليق بأمةٍ تدّعي أخوّة الدين، واسأل عن الصفقات التي تُشترى بالصمت. من وقّعت دولته رسالة الثناء على الصين فليعرف أن ذلك باسمه — وله أن يرفضه علنًا.
- دعم المؤسسات الحقوقية: يحمل القضيةَ في المنفى باحثون ومنظمات أويغورية توثّق الأسماء وتخاطب البرلمانات وتلاحق المسؤولين قضائيًّا، وتعمل بموارد ضئيلة. دعمُها بالمال أو الترجمة أو المهارة يصنع أثرًا يفوق حجمه.
- إحياء القضية في منابرنا: اذكرهم في الخطبة والدرس والمجلس ومنهج أبنائك، وعلّم الصغار أن للأمة أطرافًا لا يعرفونها. القضية التي لا تُذكر تموت، والذاكرة نصرة — وأهل تركستان يقولون: أشدّ ما نخافه أن يُنسى أننا كنا هنا.